قلم: د/هاني نبيل التاريخ: 8 يناير 2026
في خطوة أعادت تشكيل المشهد الجيوسياسي للمناخ، وقع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اليوم مذكرة انسحاب الولايات المتحدة من اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (UNFCCC) والهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC). وبينما قد يبدو الخبر للوهلة الأولى شأنًا سياسيًا أمريكيًا، إلا أن ارتداداته الاقتصادية ستكون عنيفة وفورية على حركة التجارة العالمية، وتحديدًا على آليات تسعير الكربون التي باتت المقياس الجديد للنفاذ إلى الأسواق الأوروبية.
السؤال الذي يدور في أذهان المصدرين المصريين اليوم: هل يؤدي هذا الانسحاب إلى تخفيف القيود الأوروبية، أم أننا أمام مرحلة أكثر صرامة؟
أولاً: المشهد العالمي.. أوروبا “تُكشر عن أنيابها”
خلافًا للتوقعات بأن يؤدي الغياب الأمريكي إلى إضعاف اتفاق باريس، تشير القراءات الأولية من بروكسل إلى العكس تمامًا. الاتحاد الأوروبي، الذي يجد نفسه الآن وحيدًا في قيادة الدفة المناخية مع الصين، سيلجأ إلى “آلية تعديل حدود الكربون” (CBAM) ليس فقط كأداة بيئية، بل كـ “سلاح تجاري” لحماية صناعته من المنافسة غير العادلة.
انسحاب أمريكا يضع صادراتها في خانة “الملاذات الكربونية” (Carbon Havens)، مما يعني أن البضائع الأمريكية المتجهة لأوروبا (الحديد، الصلب، الكيماويات) قد تخضع للرسوم الكاملة دون أي إعفاءات كانت محتملة سابقًا بدعوى “تكافؤ السياسات”. هذا يرسل رسالة صارمة لباقي دول العالم: لا تهاون مع أحد.
ثانياً: التأثير المباشر على مصر.. “تحدي الالتزام وفرصة البديل”
بالنسبة لمصر، يضعنا هذا الحدث أمام سلاح ذو حدين:
1. التحدي: انتهاء عصر “التفاوض السياسي” مع تشدد الموقف الأوروبي المتوقع لتعويض الغياب الأمريكي، لن يكون هناك مجال لأي “مرونة سياسية” مع الدول غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. الصادرات المصرية (خاصة الأسمنت، الأسمدة، الحديد والصلب، والألومنيوم) التي تقدر بنحو 14 مليار دولار للسوق الأوروبي، ستكون تحت مجهر دقيق. أي تأخير في تقديم تقارير البصمة الكربونية الموثقة يعني ببساطة خروجًا من السوق لصالح موردين أكثر التزامًا.
2. الفرصة الذهبية: مصر كمركز إقليمي بديل هنا تكمن الزاوية التي يجب أن يلتقطها “مديرو التخطيط الاستراتيجي” في الشركات المصرية. الشركات الأوروبية التي كانت تعتمد على سلاسل إمداد أمريكية قد تبدأ في البحث عن بدائل “منخفضة الكربون” وأكثر استقرارًا سياسيًا في الالتزام بالمعايير.
- الهيدروجين الأخضر: مع استراتيجية مصر الوطنية للهيدروجين منخفض الكربون (التي تستهدف 5-8% من السوق العالمي بحلول 2040)، تصبح مصر الوجهة المثالية للاستثمارات الأوروبية الباحثة عن طاقة نظيفة بعيدًا عن “الضوضاء” الأمريكية.
- التمويل الأخضر: إطلاق الحكومة المصرية لبرنامج “الصناعة الخضراء” (Green Industry Program) بتمويل 271 مليون يورو في الربع الأول من 2025 جاء في توقيت مثالي لتمكين المصانع من التوافق قبل الاشتراطات الصارمة.
ثالثاً: خارطة طريق للشركات المصرية (ما بعد 8 يناير 2026)
بصفتنا استشاريين في هذا المجال، ننصح الكيانات الصناعية المصرية بالتحرك الفوري في 3 مسارات:
- التوثيق الرقمي الفوري: البدء فورًا في استخدام أدوات رقمية لحساب البصمة الكربونية (Scope 1 & 2) وتجهيز البيانات وفق معايير الـ ISO 14064، فالتقارير اليدوية لم تعد مقبولة.
- استغلال التمويل المتاح: التوجه للاستفادة من منح وقروض برنامج “الصناعة الخضراء” الجديد لتحديث خطوط الإنتاج كثيفة الاستهلاك للطاقة، فهذه الأموال صُممت خصيصًا لتفادي مقصلة الـ CBAM.
- تسويق “الامتثال”: يجب أن يتغير خطابنا التسويقي من “جودة وسعر” إلى “جودة، سعر، وبصمة كربونية منخفضة”. هذا هو “جواز السفر” الوحيد للبضائع المصرية إلى أوروبا في ظل الفوضى التي أحدثها القرار الأمريكي.
الخلاصة: انسحاب أمريكا اليوم ليس إذنًا بالتراخي، بل هو “جرس إنذار” بأن أوروبا ستغلق أبوابها بإحكام أمام أي منتج لا يحمل شهادة ميلاد خضراء. الكرة الآن في ملعب المصنع المصري لتحويل هذه الأزمة العالمية إلى حصة سوقية جديدة.